ابن كثير
381
السيرة النبوية
ذكر إفاضته عليه السلام إلى البيت العتيق قال جابر : ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فأفاض ( 1 ) ] إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم . فقال : " انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم " فناولوه دلوا فشرب منه . رواه مسلم . ففي هذا السياق ما يدل على أنه عليه السلام ركب إلى مكة قبل الزوال فطاف بالبيت ، ثم لما فرغ صلى الظهر هناك . وقال مسلم أيضا : أخبرنا محمد بن رافع ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا عبيد الله بن عمر عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى . وهذا خلاف حديث جابر ، وكلاهما عند مسلم . فإن عللنا بهما أمكن أن يقال : إنه عليه السلام صلى الظهر بمكة ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه فصلى بهم . والله أعلم . ورجوعه عليه السلام إلى منى في وقت الظهر ممكن ، لان ذلك الوقت كان صيفا والنهار طويل ، وإن كان قد صدر منه عليه السلام أفعال كثيرة في صدر هذا النهار ، فإنه دفع فيه من المزدلفة بعد ما أسفر الفجر جدا ، ولكنه قبل طلوع الشمس ، ثم قدم منى فبدأ برمي جمرة العقبة بسبع حصيات ، ثم جاء فنحر بيده ثلاثا وستين بدنة ونحر على بقية المائة ، ثم أخذت من كل بدنة بضعة ووضعت في قدر وطبخت حتى نضجت فأكل من ذلك اللحم وشرب من ذلك المرق . وفى غضون ذلك حلق رأسه عليه السلام وتطيب ، فلما فرغ من هذا كله ركب إلى البيت .
--> ( 1 ) من صحيح مسلم 4 / 42